حكم الهاشميين لبلاد الشام والحجاز: تاريخ طويل من القيادة والدور السياسي

لقد كان للهاشميين دور محوري في تاريخ الشرق الأوسط على مر العصور، وبخاصة في بلاد الشام والحجاز. هذا الدور التاريخي الممتد يعكس العلاقة القوية التي جمعتهم مع الخلافة الإسلامية، وكذلك مع القوى السياسية الكبرى التي حكمت المنطقة. من تأسيس الدولة العربية الكبرى إلى قيادة مملكة الحجاز، وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، يعتبر الهاشميون من أبرز العائلات الحاكمة في المنطقة. في هذا المقال، سوف نغطي تاريخ حكم الهاشميين في بلاد الشام والحجاز، مع التركيز على أبرز الأحداث السياسية والتاريخية التي أثرت في هذه الحقبة.
1. الجذور التاريخية للهاشميين: النسب والظهور السياسي
الهاشميون يعودون في نسبهم إلى هاشم بن عبد مناف، الجد الأكبر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يجعلهم جزءًا من الأسرة النبوية في الإسلام. وعلى الرغم من أن الهاشميين كانوا يتمتعون بمكانة دينية مرموقة منذ ظهور الإسلام، فإنهم لم يشغلوا المناصب السياسية الكبيرة إلا بعد قرون من ظهور الخلافة الإسلامية.
كان الهاشميون تحت حكم الأمويين والعباسيين بعيدين عن السلطة السياسية، لكنهم حافظوا على مكانتهم الاجتماعية والدينية. ومع نهاية العصور الوسطى، بدأ الهاشميون في لعب دور سياسي بارز، خاصة في المنطقة الواقعة بين الحجاز و الشام.
2. دور الهاشميين في الحجاز: من الثورة ضد العثمانيين إلى تأسيس المملكة
كان الحجاز المركز الديني للعالم الإسلامي، بوجود مكة المكرمة و المدينة المنورة، ومع بداية القرن العشرين، بدأت الهاشميون في أخذ دور أكبر في هذه المنطقة بعد أن تدهورت العلاقة بين العرب والدولة العثمانية.
أ. الثورة العربية الكبرى (1916-1918)
مع اندلاع الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية، كان لآل الهاشميين دور محوري في قيادة هذه الثورة. قاد الثورة الشريف حسين بن علي، أمير مكة، وكان الهدف منها هو التحرر من الحكم العثماني وإقامة دولة عربية موحدة.
دعمت بريطانيا الثورة العربية الكبرى، حيث كانت المصالح البريطانية في المنطقة تتطلب إنهاء السيطرة العثمانية. أعلن الشريف حسين في 10 يونيو 1916 الثورة ضد الحكم العثماني بعد أن شهد تدهورًا في العلاقة بين العرب والإدارة العثمانية، لا سيما بسبب التمييز ضد العرب و الاستبداد التركي. استخدم الشريف حسين شعار “الحرية، الاستقلال، والوحدة العربية” في تحفيز العرب للانضمام إلى الثورة.
أدى نجاح الثورة العربية الكبرى إلى حصول الشريف حسين على لقب “ملك العرب” في عام 1916، بعد أن تم تحقيق عدة انتصارات في معركة الحجاز. لكنه واجه تحديات كبيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية.
ب. مملكة الحجاز: حكم الهاشميين
بعد الحرب العالمية الأولى، كانت مملكة الحجاز تحت حكم الشريف حسين. لكن، وفي ظل معاهدة سايكس-بيكو وتقسيمات الشرق الأوسط الجديدة، تم تجاهل الطموحات العربية في إنشاء دولة عربية واحدة من البحر إلى البحر. هذا ما أدى إلى حدوث خلافات مع القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصة مع بريطانيا و فرنسا، اللتين كان لهما مصالح قوية في المنطقة.
في عام 1924، انخفضت سلطة الشريف حسين بشكل كبير بعد أن فقدت المملكة الدعم البريطاني لصالح الملك عبد الله في الأردن، والملك فيصل في العراق، وأدت الحرب التي دارت بين الحجاز و الملك عبد العزيز آل سعود إلى تراجع سلطة الهاشميين في الحجاز لصالح المملكة السعودية.
3. الهاشميون في بلاد الشام: من العراق إلى الأردن
أ. تأسيس المملكة العراقية
بعد الحرب العالمية الأولى، قررت القوى الغربية إنشاء ممالك جديدة في بلاد الشام والعراق، فكان الملك فيصل بن حسين هو أول من تولى عرش العراق في عام 1921. الملك فيصل كان نجل الشريف حسين بن علي، ورفع شعار الوحدة العربية بعد أن تم التنسيق مع بريطانيا لتثبيت حكمه في العراق.
واجهت مملكة العراق تحديات كبيرة مع الانتفاضات الشعبية ضد الحكم البريطاني، بالإضافة إلى ضعف الاقتصاد والأوضاع الأمنية. ورغم ذلك، بقي الهاشميون في العراق حتى عام 1958، حينما تم الإطاحة بالملك فيصل الثاني في انقلاب عسكري، مما أدى إلى سقوط العائلة الهاشمية في العراق.
ب. المملكة الأردنية الهاشمية: استمرار الوجود الهاشمي
في نفس الوقت تقريبًا الذي تم فيه تنصيب الملك فيصل في العراق، تم تثبيت الملك عبد الله الأول بن الحسين في الأردن بمساعدة من البريطانيين. حصل على إمارة شرق الأردن عام 1921 بعد اتفاقات مع الحكومة البريطانية، وأصبحت فيما بعد المملكة الأردنية الهاشمية في 25 مايو 1946.
منذ تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، حافظ الهاشميون على حكمهم في الأردن، وبرزت المملكة كداعم رئيسي للحقوق العربية في العديد من القضايا الإقليمية، مثل القضية الفلسطينية. طوال العقود الماضية، كان للهاشميين دور كبير في السياسة العربية والدولية، وظلوا في مكانتهم كرمز للسيادة والسياسة المعتدلة في المنطقة.
الإرث السياسي للهاشميين
حكم الهاشميين لبلاد الشام والحجاز يمثل مرحلة هامة في التاريخ العربي الحديث. على الرغم من التحديات التي واجهتها أسرة الهاشميين في الحجاز والعراق، إلا أن وجودها المستمر في الأردن جعلها جزءًا رئيسيًا من السياسة الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. لعبت هذه العائلة دورًا كبيرًا في الدفاع عن حقوق العرب، دعم الوحدة العربية، و المساهمة في قضايا الشرق الأوسط مثل القضية الفلسطينية.
إن الهاشميين لا يزالون في طليعة الأنظمة السياسية العربية، حيث يواصلون دورهم في نشر التسامح، التعاون الدولي، و السعي نحو تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.